عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

55

معارج التفكر ودقائق التدبر

إِنَّما تُنْذِرُ « إنّما » أداة حصر . و « تنذر » أي : تخبر بوعيد اللّه بالعقاب إخبارا مؤثّرا نافعا . مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ : أي : من تكلّف أن يتبع الاستماع إلى القرآن الذي هو ذكر اللّه الرحمن للناس ، بالاستماع والإصغاء والتفهّم ، وأن يتبع أقوال المذكرين باللّه وبصفاته ، وبما جاء عن اللّه في كتابه أو على لسان رسوله ، لأنّ في قلبه إيمانا ما باللّه يدفعه إلى اتّباع الذّكر . وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ : أي : وخشي الرحمن حالة كونه سبحانه في عالم الغيب عن مجالات الإدراكات الحسّيّة لعباده ، في الحياة الدنيا ، حياة الابتلاء . فالمعنى : إنّك أيّها المبلّغ المبشّر المنذر ، لا تنذر إنذارا مؤثّرا نافعا ، إلّا من اتّبع الذّكر وخشي الرّحمن بالغيب . وهذا من قصر صفة الاستجابة للإنذار والتأثرّ به على الإنسان الذي اتّبع الذّكر وخشي الرّحمن بالغيب ، وهو قصر حقيقيّ . وبما أنّ الاقتناع بوجود اللّه عز وجل ، وبصفاته الجليلة ، إنّما يتحقّق بالإيمان بالغيب في ظروف الحياة الدّنيا ، نظرا إلى أنّ أوّل عناصر الابتلاء في هذه الحياة لذوي الأفكار والعقول هو الإيمان بالغيب المتّصل باللّه عزّ وجلّ وصفاته الجليلة ، وما أخبر به من جزاء يوم الدّين ، جاء في الآية : . . . وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ . * فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ( 11 ) : أي : فإذا وجدت يا محمّد ، ويا أيّها الدّاعي إلى سبيل ربّه ، هذا الّذي يتّبع الذّكر بالإصغاء والفهم وحسن التّفكّر والتّدبّر ، ويخشى الرّحمن بالغيب ، وينتفع بالإنذارات اللّاتي توجّهها له ، فبشّره بأمرين : الأمر الأوّل : أن يغفر اللّه له من ذنوبه الّتي سلفت منه ، وهي تتعلّق